الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

630

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه ، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله ، لأن اللّه تعالى قد كتب الفناء على خلقه ، واستأثر بالبقاء لنفسه . والثاني : أن يكون معناه : ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدى إياهم في قبض نفس عبدي المؤمن ، كما روى في قصة موسى - عليه الصلاة والسلام - ، وما كان من لطمه عين ملك الموت ، وتردده إليه مرة بعد أخرى « 1 » . قال : وحقيقة المعنى - على الوجهين - عطف اللّه على العبد ، ولطفه به ، وشفقته عليه . ؟ وقال الكلاباذي ما حاصله : أنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات ، يعنى باعتبار متعلقها ، أي عن الترديد بالتردد ، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت ، فيقبض على ذلك . قال : وقد يحدث اللّه تعالى في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت ، فضلا عن إزالة الكراهة عنه ، انتهى . وبالجملة : فلا حياة للقلب إلا بمحبة اللّه ومحبة رسوله ، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به ، واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته ، ففي القلب طاقة لا يسدها إلا محبة اللّه ورسوله ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات . قال صاحب المدارج : ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية حتى يعرف اللّه ويهتدى إليه بطرق توصله إليه ، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة ، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة ، فينجذب إليها بكليته ،

--> ( 1 ) هذه القصة أخرجها البخاري ( 1339 ) في الجنائز ، باب : من أحب الدفن في الأرض المقدسة ، ومسلم ( 2372 ) في الفضائل ، باب : من فضائل موسى - صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .